السيد محمد حسين فضل الله
55
من وحي القرآن
الكافرون خسروا أنفسهم هل كان أهل الكتاب يجهلون النبي محمد صلى اللَّه عليه وآله وسلّم ليحتاجوا في معرفة نبوته إلى برهان ، وليثيروا حوله جدلا عقيما يتناوله كإنسان ، ويتناول صفته كرسول وموقعه كداعية إلى اللَّه ؟ إن القرآن ينفي ذلك ، لأن التوراة تحدثت عن صفاته ، والتاريخ الذي يتداولونه كان يؤكد لهم ظهوره أو خروجه للأجيال اللاحقة ، ولهذا كانوا يستفتحون به على الكافرين قبل ظهور أمره . ويثير القرآن القضية على أساس وضوحها الكامل الذي يجعل من الاقتناع بها أمرا غير قابل للجدل ، فأهل الكتاب يعرفون النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم كما يعرفون أبناءهم من حيث الذات والصفة ، فلذلك لا يمكن لمن يحترم نفسه منهم إلا أن يعرفه كما يعرف أولاده : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ . ولكنهم لم يلتقوا مع أنفسهم في خطّ هذا الوضوح المشرق للحقيقة ، بل ركنوا إلى العقد النفسية المظلمة التي تحكّمت في داخلهم على أساس الأطماع والشهوات ، وبذلك خسروا أنفسهم ، لأن قضية الربح والخسارة في الحياة لا تخضع لمقاييس الامتيازات الذاتية الطارئة التي تذوب وتزول في ما يذهب من أوضاع الحياة الفانية ، لأنها لا تمثّل هدفا للحياة بقدر ما تمثل حاجات عادية لها ، ولهذا ، فإنها لا تصل إلى مستوى القيمة التي يضع الإنسان نفسه في موازينها ، بل إن قضية الربح والخسارة تحددها المبادئ الأساسية التي تحكم مسيرة الحياة في جوانبها المادية والمعنوية ، وتمثل - في طبيعتها - حركة الرسالة ، فتفتح للإنسان ، نافذة على الدنيا المسؤولة من جهة ، ونافذة على الآخرة المطمئنة من جهة أخرى ، وهذا ما عبّر عنه القرآن في دعوته الحاسمة في قوله تعالى : وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ [ المطففين : 26 ] . ولن يحصل الإنسان على ذلك كله إلا بالإيمان باللَّه ، الذي هو بداية كل خير ، ومنطلق كل صلاح وإصلاح ، والمنهج الذي يجمع له الدنيا والآخرة